كمال رمزي المخلص للسينما والنقد فقط

أمنية عادل 19 فبراير 2022 النقد السينمائي

الكاتب : أمنية عادل


ينتمى كمال رمزي إلى هؤلاء الأشخاص الذين جذبتهم السينما والفنون بصورة عامة، واختارها كموهبة ومهنة، حيث درس في المعهد العالي للفنون المسرحية وتخرج في عام 1968 ولم يضيع الوقت كثيرا وتوجه إلى النقد السينمائي، حيث الاستمتاع بالأفلام والمشاهدات، لاسيما في ذلك الوقت الذي غلب عليه الاهتمام بالمطالعة ومشاهدة كل جديد من خلال نادي سينما القاهرة وذلك الوقت الذي شهد حضور قوي لقصور الثقافة الجماهيرية.
خلال فترة الستينيات كانت السينما قد بدأت تتبلور وتتوالى عليها النظريات التي ترسخ مبادئ الصناعة ومنهجية العمل بها، كما أصبح للنقد ملامح بات يعرف بها، ويعتبر كمال رمزي من الأسماء التي ساهمت في ترسيخ أسس منهجية النقد السينمائي، وتشارك رمزي مع جيله النشط في دعم الثقافة العامة بملامح السينما ومنح المشاهد مفاتيح قراءة الأفلام السينمائية وتحليل جوانبها الفنية بصريا وعلى صعيد المضمون
المطلع على مقالات كمال رمزي يجد هذا الربط السلس بين حكاية الفيلم وتحليل العناصر الفنية ونقد جوانب العمل، في مقال واحد تجتمع هذه العناصر بسلاسة بالغة، فضلا عن الصراحة التي قد تصل إلى المهاجمة الشرسة في بعض الأحيان لائما أحيانا وأملا أحيانا أخرى.
ضمن مجلة المسرح والسينما كتب مقالا عن فيلم "القضية 68" الذي يعود إلى مخرجه صلاح أبو سيف، والذي يعتبر من أوائل المقالات التي كتبها رمزي نلاحظ تطوره في قراءة الأفلام وتطوير منهجية المشاهدة كذلك.
"وحتى نهاية الفيلم ليست آملة تماما، فالحديث القوي الجريء ينطلق من فم الأستاذ منجد وهو مقبوض عليه.. إلا أن صلاح أبو سيف –لسبب غير معروف- جعل الأسلوب الكاريكاتيري مسيطرا على الفيلم، وبهذا أحدث شرخا خطيرا في الفيلم، فالتناقض بين مادة الفيلم التراجيدية والأسلوب الكاريكاتيري في تقديمه قد تسبب في تشتت مشاعر الجمهور، وقد في النهاية فيلما لا طعم له"، هكذا تحدث الناقد كمال رمزي عن فيلم "القضية 68" ناقدا موجها، رغم يفاعته في ذلك الوقت، لمخرج مثل صلاح أبو سيف الذي بدأ رحلته السينمائية في عام 1945، وأصبح اسما في عالم الفن السابع.
القراءة النزيهة المبتعدة عن أي مجاملة بمثابة خط مضفر داخل كتابات الناقد السينمائي كمال رمزي، الذي لم يغفل تجربة أبو سيف وعبر عن ملامح رحلته وثرائها وكذلك تجارب غيره من مبدعي السينما المصرية ضمن صفحات مجلة "فن" التي شارك بها على مدار سنوات بدراسات ومقالات نقدية عديدة، إلى جانب مشاركاته في مطبوعات مصرية اهتمت بالثقافة والسينما مثل "الأهلي، المساء، سينما" وغيرها من المطبوعات.
نادي سينما القاهرة
كغيره من النقاد ومحبي السينما شكل نادي سينما القاهرة واجهة ومنبر للانطلاق والتواجد للأقلام الشابة الوافدة إلى عالم السينما والنقد السينمائي الذي باتت تعتني به المجلات والمطبوعات كافة، سمحت نشرات نادي سينما القاهرة التي استمرت لعقود أن يعبر النقاد الشباب عن وجهة نظرهم ورؤياهم فيما يتم عرضه من أفلام عربية وأجنبية على مختلف جنسياتهم، وكان لقلم كمال رمزي نصيب في هذا إذ يقول عن فيلم " The Anniversary\ذكرى الزفاف" 1967، في دراسة قدمها عن الفيلم.
"وقبل الإشارة إلى الخطأ الدرامي في "ذكرى الزفاف" يجب التنبه إلى أن شكل "المسرح المصور في فيلم" ليس مرفوضا رفضا مطلقا، طالما أنه استطاع أن يقدم لنا أعمالا في مستوى فيلم "مخبر سري" الذي عرض بالنادي في العام الماضي، متبعا نفس أسلوب "ذكرى الزفاف" ولكن على نحو خلاق ومكتمل وأخاذ.. ولعل الفرق بين التركيبة الدرامية في كل من "مخبر سري" من جهة و"ذكرى الزفاف" من جهة أخرى، ستجعلنا نضع أصابعنا على خلل "ذكرى الزفاف"..
كمال رمزي اسم هام في تاريخ النقد والتنظير السينمائي في مصر، حيث يعتبر واحد من أكثر الأقلام قراءة وتعمق في السينما المصرية وأفلامهما وفنانيها ومبدعيها، واستطاع التعبير عن التجارب السينمائية المختلفة، لاسيما تلك التي تنتمي إلى جيل قدم ملامح مختلفة أكثر مزجا بين عالم الواقع والخيال الخصب، كما فعل فيلم "عفاريت الأسفلت" 1996، حيث كتب عنه في مجلة "فن
"عفاريت الأسفلت الذي يدور في دورة شمسية واحدة، ينتهي بلقطة تذكرنا بإحدى لقطات البداية، حيث يمزق "سيد" غطاء عربة برتقال ويلتقط حبتين، يعطي واحدة لوالده، ويواصلان مسيرتهما، كما لو أن حياتهما ستستمر، على ذات المنوال.. أيا كان الأمر بالنسبة لهذه الدورة الحتمية، فإن "عفاريت الأسفلت" حقيقة، له روحه وأسلوبه ورونقه وقوة تأثيره، وبالتالي فإنه جديد بالترحيب والإشادة".
انتبه رمزي إلى التجريب في السينما وبحث عنه في الأفلام وضمن قراءاته النقدية، وعبر عن ذلك خلال مقالاته التي هاجمت سينما المقاولات التي غزت السينما المصرية خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم وخلقت زخما كبيرا على صعيد الإنتاج السينمائي، حيث أحب رمزي السينما وكان غيورا عليها وعلى مبدعيها، لهذا صنف أزمات أبطال وشخصيات السينما ضمن قراءاته وكتاباته.
نظرة عميقة
كما نظر للسينما المصرية بصورة بانورامية محللة، وتحول بوصلة المشاهد المصري وصناع الأفلام من نمط الأفلام الرومانسية إلى الكوميديا والأكشن كما لم تخلوا من الأفلام الاجتماعية والأفلام التي تلقي بالنظر على بعض اللحظات التاريخية الهامة في تاريخ مصر المعاصر، كما عقد مقارنات ومقاربات بين ما قدمت السينما المصرية والسينمات العربية.
"ما حققه فيلم "ناصر 56" جماهيريا وفنيا فتح المجال واسعا لمناقشة أفلام عربية سابقة تعاطت مع المجد والنضال العربيين مما يؤكد أن انتصارات مصر وعبد الناصر تعني الوطن العربي كله وكما يكشف العراقي محمد شكري جميل في "الأسوار" واللبناني برهان علوية في "كفر قاسم" والسوري محمد ملص في "أحلام مدينة".
وفي ختام مقاله عن فيلم "ناصر 56"
"أخيرا، يبقى للفيلم –برغم غياب ملامح تلك الأيام، مصريا وعربيا- الصورة المضيئة لرئيس واجه قوى عاتية، بلا تردد أو مساومة، وعاش نمطا من حياة لا تعرف البذخ، وهو أمر يحسب ل"ناصر 56".
على الصعيد ذاته قدم رمزي قراءات في الإنتاج السينمائي في مصر خلال البدايات، وإنشاء الاستوديوهات كما هو الحال مع استوديو مصر الذي تم إنشاؤه منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، وما تلاه من استوديوهات أخرى مثل "جلال، نحاس، الأهرام وناصبيان"، كما قدم تحليلا لوضع النقد وبعض النقاد ورؤيتهم للفن السابع خاصة خلال فترة الستينيات والسبعينيات وتعالي الأصوات المطالبة باستمرارية الواقعية، التي تبلورت بصورة أكبر خلال زيارة المخرج الإيطالي الشهير روبرتو روسيلليني إلى مصر مطلع عام 1967، هذا الاسم الذي لم يكن ببعيد عن السينمائيين ومثقفي مصر، لاسيما أن بدايات السينما في مصر لامست الواقعية واتخذتها مذهبا لها.
ما وراء الصناعة
في طي مقالاته أثار الناقد كمال رمزي قضية هامة تشكل جدلا واسعا داخل الأوساط السينمائية والتحليلة منها، وهي معضلة الإيرادات وشباك التذاكر التي وردت في عدد من قراءاته النقدية وعلى سبيل المثال مقاله "النوم في العسل.. الحرية البائسة في أن تقول آه" الذي أورد به الأتي:"يقدم رئيس مباحث العاصمة استقالته، ويقرر أن يغدو ثوريا، وفعلا .. يقود أغرب مظاهرة ضخمة، من الممكن أن تندلع في الواقع، أو على شاشة السينما.. فببساطة متناهية، يطلب "الزعيم" عادل إمام، من القاعدين في المقهى أن يتبعوه.. ثم يمر على الجوامع والكنائس فيهرول الجميع في أعقابه.. وها هو يقود الجميع إلى مجلس الشعب حيث طوابير الأمن المركزي تتهيأ للتعامل مع المتظاهرين، الذين يرددون هتافا يخلو تماما من المعنى.. يقول رئيس المباحث المستقيل، قائد الكتلة البشرية "آه" فترد عليه الحناجر "آه".."آه".."آه"!َ هذا الهتاف الآمن، الخالي من أي مطلب حقيقي، الذي ينتهي به "النوم في العسل" يعبر تماما عن فيلم حقق نجاحا تجاريا هائلا، لا علاقة له بقيمة العمل.. فآه ثم آه".
احتفى الناقد السينمائي كمال رمزي بالتجارب السينمائية الجديدة التي ضفرت الواقع مع ملامح المواطن المصري كما فعل مع أفلام مثل "ليلة ساخنة، يا دنيا يا غرامي" ومخرجين أمثال "عاطف الطيب، أسامة فوزي، خيري بشارة وغيرهم"، ولم يغفل قلمه العتاب أحيانا والتوجيه أحيانا أخرى كما قال ضمن مقاله عن فيلم "استاكوزا" "استاكوزا.. أعمال صغيرة لأسماء كبيرة".
"استاكوزا.. في النهاية، يدفع المتابع إلى أن يتساءل بصدق، وبشيء غير قليل من الاستنكار: لماذا يقدم أصحاب الأسماء الكبيرة.. أعمالا صغيرة؟!".
"الأساتذة، حسب ترتيب الأسماء الأبجدي: أحمد الحضري، سعد نيم، حسن التلمساني، صلاح أبو سيف، صلاح التهامي، منحوني الوفير من معلوماتهم ومعارفهم بسخاء.. وأخذت من وقتهم الثمين الكثير.. فلهم جزيل شكري"
هكذا استهل الناقد السينمائي كمال رمزي كتابه "سعد نديم.. رائد السينما التسجيلية"، إذ قدم كتابا عن رحلة سعد نديم مع السينما التسجيلية ومساهماته بها كمخرجا ومسؤولا عن إنتاج الأفلام التسجيلية التي شكلت جزء كبير من اهتمام الدولة المصرية خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، وظل وفيا لهذا النوع الفيلمي بكامل رغبته.
كمال رمزي اسم يرافق لجان التحكيم ومشاهدة واختيار الأفلام بالمهرجانات المصرية، يشكل حضور اسمه في مقدمة مقال أو دراسة ثقة تكشف عنها كلماته الواعية الكثيفة لوصف الفيلم وتحليله والوقوف على عتبة عالمه والغوص به بسلالة وتنقيب عن جوانبه لإفادة الجمهور والارتقاء بذائقته وكذلك الاهتمام بالسينما ومنحها المطلوب من دور النقد السينمائي.
المراجع:
أهم مائة فيلم في السينما المصرية، إصدار مركز الفنون مكتبة الإسكندرية عن مئوية السينما المصرية (1907-2007)
الأفلام المصرية 96، تأليف: كمال رمزي، عدد 62 من سلسلة كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، إبريل 1997
نجوم السينما المصرية، الجوهر والأقنعة، تأليف: كمال رمزي، المجلس الأعلى للثقافة 1997
سعد نديم رائد السينما التسجيلية، تأليف: كمال رمزي، المركز القومي للسينما، 1988
صلاح أبو سيف والنقاد، مقدمة دكتور على شلش، إعداد أحمد يوسف، أبولو للنشر والتوزيع، 1992.
السينما والتاريخ المجلد الأول، مطبوعات مهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي العشرون للأفلام التسجيلية والقصيرة، 2018.
أرشيف نشرات نادي سينما القاهرة






 
 
 

التعليقات :

قد تعجبك هذه المواضيع أيضاً

أحدث المقالات