أحمد خورشيد شيخ مصوري السينما المصرية

فاطمة نبيل 09 مايو 2022 السينما التشكيلية..سحر الصورة

الكاتب : فاطمة نبيل
في كتابه “اتجاهات الإبداع في الصورة السينمائية المصرية” يحدد مدير التصوير سعيد شيمي سمات مدير التصوير المبدع بأنه “قائم على رؤية مادية ورؤية روحية تنبع من تجاربه الحياتية، ومنبع ثقافته وميزان علمه، ومصداقيته مع نفسه ومع الآخرين”، ويضيف شيمي “على مدير التصوير أن يكون عمله ابتكاريا من ناحية الشكل وملاءمته للموضوع الدرامي الخاص بالفيلم، ويعتبر مدير التصوير قد أبدع ونجح بشكل كبير إذا استطاع صهر الصورة بما تحمل في دراما الفيلم، بحيث يصبح العمل الفني (الفيلم) وحدة ابتكارية من الجميع”.


هذه المواصفات التي حددها سعيد شيمي في رؤيته لمدير التصوير المبدع تنطبق أول ما تنطبق على مدير التصوير المصري الرائد أحمد خورشيد.

البدايات
لم يتخيل محمد عمر باشا خورشيد (من الأعيان العاملين مع الخاصة الملكية) أن الكاميرا التي أهداها إلى ابنه الأصغر “أحمد” ستغير كل حياته.
كان الأب قد تزوج مرتين دون أطفال قبل أن يتلقي زوجته الأخيرة “تريزا” القادمة من ألمانيا قبل قليل من قيام الحرب العالمية الأولى، ليتزوجا وينجبا “محمد” و”فاطمة”، ثم الصغير المدلل “أحمد” في 21 فبراير عام 1913.
افتتن الصغير بالاختراع الجديد، ما دفع الأم الأوربية لتشجيعه على هواية التصوير، وتصبح صور أصدقائه من أولاد الطبقة الراقية هي أولى أعماله.
في عمر الثانية والعشرين يلتحق خورشيد على غير رغبة والده بالعمل مصورا في استوديو مصر بعد أن أنهى دراسته بقسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب، حيث يرسله طلعت باشا حرب مؤسس الاستوديو وصديقه أحمد سالم في بعثة دراسية إلى فرنسا حيث يدرس سالم الإخراج، بينما يدرس خورشيد التصوير، ليعود مصورا إلى استوديو مصر ويعمل في فيلم “وداد” للمخرج فريتز كرامب عام 1939.
وتقول (الأسطورة) أن خورشيد رفض تقبيل يد السيدة أم كلثوم أثناء تصوير الفيلم ككل العاملين ما دعاها أن تنعته بالتركي إعجابا.
يستمر ارتباط اسم خورشيد كمدير لتصوير عدد كبير من الأفلام الناجحة في ذلك الوقت حتى عام 1945 إذ يقدم مع المخرج كامل التلمساني فيلمه الأشهر “السوق السوداء” مؤسسا تيارا جديدا من السينما الواقعية في مصر.
وفي عام 1951 يقدم على إخراج فيلمه الوحيد “السبع أفندي” وفاء لذكرى صديقه أحمد سالم الذي توفى ولم يستطع إكمال مشروع الفيلم فيتمه خورشيد بدلا منه مهديا الفيلم إلى سالم، ويشهد الفيلم وقائع تعارفه بزوجته الثالثة والتي ارتبط اسمها به حتى الآن، وهي السيدة “اعتماد خورشيد” والتي جاءت إلى الاستوديو بحثا عن فرصة عمل في السينما التي كانت تهواها.

اعتماد خورشيد
تروي اعتماد خورشيد قصة تعارفهما أن أحمد خورشيد كان قد سبق له الزواج مرتين؛ الزيجة الأولى أثمرت جيهان وعمر (عازف الجيتار والممثل والملحن الشهير بعد ذلك)، أما الثانية فلم ينجب خلالها سوى ولد يدعى “شيرين”، ثم التقى اعتماد وكانت لاتزال في الرابعة عشر، فوقع في غرامها واتفقا على الزواج رغم معارضة عائلتها، بسبب زيجاته السابقة وفرق السن بينهما.
استمر الزواج حتى عام 1968 مخلفا خمسة أطفال هم (أحمد، وإلهامي، ونيفين، وإيهاب، وأدهم) والكثير من الأحداث التراجيدية، ما يهمنا منها هنا هو أثر هذا الثنائي على صناعة السينما بمصر.
تروي السيدة اعتماد خورشيد أن أحمد خورشيد قد سافر برفقة المخرج جمال مدكور عام 1958 إلى سوريا وقت الوحدة المصرية السورية بصحبة الرئيس عبد الناصر لتسجيل الزيارة الرئاسية سينمائيا.
تزامن هذا مع إعلان ورثة الفنان “أنور وجدي” رغبتهم في بيع معمله الكائن بشارع الإخشيد بالروضة، وتحمست المنتجة “ماري كوين” لشرائه بمبلغ ستة آلاف جنيه على عدة أقساط، لكن اعتماد استطاعت إقناع الورثة وآخرهم الفنانة “ليلى فوزي” زوجة وجدي الأخيرة قبل وفاته، بمبلغ عشرة آلاف جنيه نقدا، ما أغضب ماري كويني بشدة، ونشر كمال الملاخ الخبر وقتها في الأهرام تحت عنوان “اعتماد خورشيد تنتصر على ماري كويني وتشتري معامل أنور وجدي”.
ولم تجد اعتماد التي كانت قد باعت 40 فدانا من ضمن ميراث زوجها عن والده لتشتري المعمل إلا أن تقترض من البنك الصناعي نصف مليون جنيه بناء على اقتراح من الكاتب مصطفى أمين، لتستطيع إنشاء المعمل وكان مقره بشارع الهرم بجوار سينما رادوبيس.
وقد ضم المعمل إلى جانب آلات طبع وتحميض الأفلام السينمائية، استوديو لتسجيل الموسيقى التصويرية، ووحدة مونتاج، وصالة عرض.
وشهد المعمل طبع وتحميض العديد من الأفلام، نذكر منها: بين إيديك (1960) ليوسف شاهين، والمراهقات (1960) لأحمد ضياء الدين، والعريس يصل غدا والساحرة الصغيرة (1963) وكلاهما لنيازي مصطفى، وألف ليلة وليلة (1964) لحسن الإمام.
أما منزل الأسرة بفيلا الهرم فتحول إلى منتدى فني وثقافي، حيث سهر العديد من الفنانين بصحبة الزوجين السعيدين قبل انفصالهما.

شيخ المصورين
في كتابه “سحر الألوان من اللوحة إلى الشاشة” يقول الفنان سعيد شيمي “الضوء يلعب كمصدر للإبداع في الفيلم السينمائي، فعن طريق إضاءة الصورة أي اللقطة وبالتالي المشهد والفيلم بأكمله يكون التأثير المرجو والمطلوب الذي يعطي الفيلم معناه ومذاقه الدرامي”.
هذه القاعدة البديهية نجدها في أعمال أحمد خورشيد الذي لم يدرس التصوير أكاديميا، لكن أفلامه تُدرس.
حتى في أعماله الأولى، اعتمد خورشيد على التجريب والتثقيف الذاتي.
على سبيل المثال في “أحبك انت” 1949 مع أحمد بدرخان، وعلى الرغم من أنه فيلم استعراضي غنائي ككل أفلام الأربعينات، إلا إنه يقدم في مشهد رقصة نادية (سامية جمال) إضاءة حداثية تتوافق مع درامية الرقصة.
في “صراع في الوادي” 1954 مع يوسف شاهين يجرى التصوير في الأماكن الحقيقية حسب تتيرات الفيلم في معبد الكرنك، ومعبد الأقصر، ووادي الملوك، ومعبد أنس الوجود، وليمان طرة، وأحد قصور الملك فاروق.
وفي هذا يُعد خورشيد رائدا في الخروج من بلاتوهات التصوير، منتصرا على مشكلات الإنارة في أماكن مثل المعابد والمقابر الفرعونية مستخدما وسائل بسيطة مثل المرايا لتجميع ضوء الشمس داخل المعبد أو المقبرة لاستخدامه في التصوير.
أما الظلال، واستخدام المشاعل للإنارة، فيستخدمها خورشيد لدعم الجو الجنائزي المحيط بالفيلم ككل.
مما ترويه اعتماد خورشيد عن كواليس تصوير الفيلم أن يوسف شاهين قد جاءه بصحبة اكتشافه الجديد “عمر الشريف” إلى فيلا خورشيد لاختباره أمام الكاميرا، وبعد أن أعلن خورشيد موافقته اصطحب عمر الشريف إلى عرّافه الشخصي “جعفر” والذي تنبأ للشريف قبل أن يقدم فيلمه الأول أنه سوف يصبح ممثلا كبيرا يحكي عنه العالم.
في نفس العام يقدم مع كمال الشيخ فيلم “حياة أو موت” .. واحد من أهم الأفلام المصرية الرائدة في الخروج للتصوير في شوارع القاهرة. في ظاهرة لن تتكرر إلا لاحقا في الثمانينات على يد جيل الواقعية الجديدة، لكن أمرا كهذا لم يكن شائعا بالطبع في منتصف الخمسينات، ولم يكن لشارع المصري معتادا أن يرى كاميرا السينما.
في “البوسطجي” عام 1968 مع حسين كمال، تعكس المساحات الرمادية الواسعة ضيق عباس البوسطجي ببلدة “كوم النحل” التي انتقل إليها مؤخرا، وتعكس قسوة الشمس كما يستخدمها خورشيد في تعبير عن قسوة مصير جميلة التي راحت فداءا لحبها، ولغلطة لا يد لها فيها.
في العام التالي يتكرر التعاون بين خورشيد وحسين كمال ثانية في “شئ من الخوف” والذي كان ليفقد الكثير من قيمته لولا مدير تصوير كأحمد خورشيد .. أدرك مغزى رواية ثروت أباظة فجاءت إضاءة ثلث الفيلم الأول حينما كان عتريس لايزال محتفظا ببراءته مختلفة عن باقي الفيلم بعد أن تلطخت يداه بدم الدهاشنة.
وكان خورشيد صاحب فكرة أن يحمل المجاميع المشاعل لإنارة مشهد النهاية الذي يفترض أن يحدث ليلا حيث يخرج أهل البلدة لإنقاذ فؤادة، تاركين قلعة عتريس تحترق بمن فيها حتى تظلم تماما.

في منتصف الخمسينيات وقبل إنشاء التليفزيون، يؤسس خورشيد وصديقه المخرج جمال مدكور “الجريدة الناطقة” بعد قرار من استوديو مصر بإنشاء جريدة إخبارية سينمائية. وإن لم تكن الفكرة جديدة وقتها، فقد سبقتها محاولات عدة على يد محمد بيومي ثم أحمد سالم.
كما يقدم خورشيد فيلمه التسجيلي الوحيد “من أعماق الطين”، والذي عُرض وقتها في مهرجان فينيسيا.
وبعد إنشاء معهد السينما بأكاديمية الفنون عام 1960، يتولى خورشيد رئاسة قسم التصوير بالمعهد. ما ينعكس على عدد الأفلام التي يشارك بها، فبعد أن كان يشارك في ستة أفلام سنويا على الأقل، أصبح لا يشارك في أكثر من فيلمين فقط في السنة، وكان من بين طلابه في معهد السينما الأخوين مصطفى وحسين فهمي، وكلاهما عمل بالتمثيل لاحقا.

خبير الألوان
يقول مارسيل مارتان في كتابه “اللغة السينمائية والكتابة بالصورة” من ترجمة فريد المزاوي: “ينبغي أن يكون لدور اللون في الفيلم قيمة درامية وليس قيمة تصويرية ووصفية، بل ينبغي عليه أن يساهم في الحدث ويتابعه في موازنته للدراما”.
بداية من السبعينيات سيتم تعريف أحمد خورشيد في تيترات الأفلام بصفته مدير التصوير وخبير الألوان في أفلام مثل “الاختيار” 1971 مع يوسف شاهين مجددا، حيث يبدو آثر خورشيد الواضح في ألوان منزل بهية. أما في “الشيماء” 1972 مع حسام الدين مصطفى فيستخدم خورشيد الألوان في إحداث آثر نفسي مختلف لدى المتلقي بين معسكرين الكفار والمسلمين، خاصة في مشاهد تأمر الكفار على قتل النبي محمد، حيث تحيط بالكفار هالة دموية مخيفة تعبر عن شرهم المطلق.
وفي 23 ديسمبر عام 1973 يرحل أحمد خورشيد تاركا خلفه عدة أطفال، وحياة صاخبة، وأكثر من خمسين فيلما بدون أي تكريم مستحق.
مصادر:
سعيد شيمي، إتجاهات الإبداع في الصورة السينمائية المصرية
المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2003
- سعيد شيمي، سحر الألوان من اللوحة إلى الشاشة
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2007
- مارسيل مارتان، اللغة السينمائية والكتابة بالصورة
المؤسسة العامة للسينما، دمشق 2009
- لقاءات شخصية مع عائلة أحمد خورشيد (السيدة اعتماد خورشيد، والأبناء إيهاب وأدهم خورشيد)

 
 
 

التعليقات :

قد تعجبك هذه المواضيع أيضاً

أحدث المقالات