الكاتب : أحمد سامي يوسف
كيف تحّول نص نجيب محفوظ الفلسفي "اللص والكلاب" إلى فيلم كمال الشيخ النوار؟
مقدمة
تربط علاقة وثيقة بين الفلسفة الوجودية والفيلم نوار. فبالإضافة لنشأتهم في بيئة ثقافية واحدة وفي حقب زمانية متقاربة، لاحظ أكثر من باحث في مجال السينما أن الأفكار التي حملتها الفلسفة الوجودية لها ظهور واضح في الأفلام النوار؛ وأن أبطال الفيلم نوار عادة ما يعانون من المعضلات التي ناقشتها الفلسفة الوجودية كأهم الأزمات الفكرية التي تواجه الإنسان المعاصر.
في مقالهما عن العلاقة بين الفلسفة الوجودية والفيلم نوار يقول ليس ريد ومارك كونراد: "يناقش ستيفن ساندرز في مقاله، النظرة القدرية fatalistic التي نراها في كثير من كلاسيكيات الفيلم نوار، ويقارنها بمفهوم العبث في الفلسفة الوجودية. يستخدم ساندرز أفلام "فيرتيجو" و"الرجل الثالث" كمثالين أساسيّين. في تلك الأفلام، يبدو البطل ملعون: خططه لا تنجح، علاقته الإنسانية لا يمكنه التعويل عليها، والمجتمع يبدو مُتحيّزًا مع الآخرين ضده. هذا المزيج بين القدرية والاغتراب له علاقة بالفلسفة الوجودية. فالوجودي يشعر بالاغتراب لكونه يرفض اتباع الكود الأخلاقي للآخرين. وبالنسبة لسارتر، فأي شخص يرفض حريته عن طريق اتباع كود أخلاقي تم تلقينه إياه هو مذنب بالإيمان الفاسد bad faith. لكن الحرية تُنتج لنا العبث، ذلك لأن الكون لا يكترث لآمال البشرية. ومن هنا، يأتي عذاب سيزيف غير ذي جدوى، والذي رفعه كامو لمنزلة البطولي. ذلك التحدي الوجودي للعالم العبثي تعبر عنه الأجواء السوداء للفيلم نوار".
في مرحلته الفلسفية، بدا أن المعضلات الكُبرى التي طرحتها الوجودية من محاولة البحث عن معنى وماهية في مواجهة عبث العالم غير المكترث دائمة الوجود عند أبطال نجيب محفوظ. يظهر هذا بشكل خاص عند سعيد مهران، بطل "اللص والكلاب"، الرواية التي استهل بها محفوظ تلك المرحلة والتي نتخذها موضوع البحث؛ فيبدأ الفصل الأول بنظرة سريعة على الفلسفة الوجودية يتبعها بتطبيق لأبرز سمات تلك الفلسفة على نص الرواية.
وفي اقتباسه السينمائي لها، بدا تأثر كمال الشيخ الشديد بالفيلم نوار، ما ظهر في تطبيقه لكثير من السمات المميزة لهذا النوع السينمائي داخل الفيلم، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في الفصل الثاني. يتناول ذلك الفصل مفهوم الفيلم نوار وتطبيق كمال الشيخ له في اقتباسه السينمائي، كما يلقي نظرة على المساحة المشتركة بين الرواية والفيلم في التعبير عن أفكار وتيمات متداخلة بالكلمة تارة، وبالصورة تارة؛ وذلك كله في محاولة الإجابة عن الإشكالية الأساسية للبحث: كيف تحّول نص نجيب محفوظ الفلسفي "اللص والكلاب" إلى فيلم كمال الشيخ النوار؟
الفصل الأول
سعيد مهران: رحلة البحث عن المعنى
الفلسفة الوجودية
عندما صرخ نيتشه في نهايات القرن التاسع عشر "مات الإله"، لم يكن يقول شيئا لم يسبقه إليه أحد، فقد كان المناخ العام كله لتلك الفترة من التاريخ يشير ويُمهّد لذلك الموت الذي بدا محتومًا. حتى ذلك الوقت، كان البشر يلجأون للمطلق حتى يرسم لهم الطريق ويضفي على ما يمرون به معنًى وهدفًا. وعندما تلاشى ذلك المطلق وحل محله الفراغ، بدا أن الطريق والهدف آخذان في التلاشي معه. حدق في أعين الجميع ظلام العدمية المُرعب، ولم تكن الأنفس على استعداد أن تعيش كل حياتها في العتمة.
في تلك الأجواء، كان أن جاءت فلسفة الوجودية، مُمثلة انفصالًا عن التيار السائد في الفلسفة الغربية منذ بداية تاريخها وحتى ذلك الوقت. فتقول الفلسفة الوجودية إن الوجود سابق للماهية، وهو شيء كان جديدًا، بل وغريب تمامًا عن الفكر والفلسفة في ذلك الوقت. يقول الكاتب هانتر ميد في كتابه "الفلسفة أنواعها ومشكلاتها" عن هذا: "تعتقد الوجودية أن الإنسان ليس له "ماهية" بهذا المعنى الذي تكون فيه شيئًا يسبق الوجود البشري. وبالاختصار، فليس ثمة إنسان أفلاطوني، وإنما هنالك فقط "أناس"، أعني أفرادًا يوجدون في زمان محدد وموقع معين من التاريخ، يأتون إلى هذا العالم دون أن يحملوا أية "ماهية" واقعية ممكنة. فأهم الأفكار الأساسية في الفلسفة الوجودية بأسرها هي ببساطة الفكرة الآتية: الوجود يسبق الماهية، لا العكس، كما هي الحال في النظرة التقليدية للإنسان. فنحن نصنع ماهيتنا الخاصة، كل منا بطريقة فردية، ونحن نصنعها في كل لحظة من لحظات حياتنا عبر الاختيار".".
حاولت الفلسفة الوجودية أن تعطينا بعض الأمل حيال فكرة موت الإله، فقد قالت إن بموته، ماتت معه القوالب الجاهزة التي كانت تُصب فيها حياتنا ونسعى في فلكها طوال العمر، قالت بحريتنا حرية تامة، حرية نستطيع معها أن نكون ما نشاء، لكن مع كل هذا، لم تستطع الوجودية أن تقضي على فكرة العبث التي أخذت تحيط بالبشرية؛ فبلا أي أنساق محددة، وبلا أي خطة أو اتجاه تسير فيه الحياة الإنسانية، نفقد قدرتنا على تفسير الأشياء، ويصبح كل ما يمر بنا عارضًا، عبثيًا. و"إذا سلمنا أن الكون عارض تمامًا، بمعنى أن أي شيء قد يحدث لأي شخص، فعندئذ يكون من العبث واللامعقول أن نستمر في الاعتقاد أو السلوك كما لو كانت للحياة أي غاية أو خطة أو نظام عام".
قدم ألبير كامو حلًا لتلك المشكلة: أن نتعايش مع العبث لا أن نقاومه، أن نمضي في حياتنا مُندمجين فيها بشكل تام غير معنيين بالبحث عن معنى ما وراءها: "لن تكون سعيد أبدًا طالما أنت تبحث عمّا تتكون منه السعادة. لن تعيش أبدًا طالما أنت تبحث عن معنى الحياة". هكذا، يصبح بإمكاننا التعايش مع كون عبثي فقط عندما نتقبل عبثيته تلك، ونتوقف عن محاولة إضفاء معان موضوعية أو فرض أنساق خارجية عليه. قد يستطيع البعض منّا أن يفعل هذا، أما سعيد مهران، بطل رواية "اللص والكلاب"، فلم يقدر على التأقلم مع حياة غير عادلة لا يحكمها سوى العبث، وكان في ثورته الفاشلة على ذلك العبث، أن شق بنفسه طريقه النهائي إلى الهلاك.
سعيد مهران ومحاولة البحث عن معنى
يقول ستيفن كويل في فصل الوجودية بموسوعة ستانفورد للفلسفة: " طالما أنا مندمج مع العالم بشكل عملي وبطريقة سلسة وانسيابية، تُقدم الأشياء نفسها إليّ على أنها جزء مرتبط بصورة هادفة بالمشاريع التي أنا منخرط فيها؛ تريني منها الوجه المتعلق بما أنا بصدده. طالما أنا مندمج في شيء ما، باختصار، يبدو لكل الأشياء معنى وراء وجودها، وأنا، نتيجة لهذا، أشعر بالألفة مع العالم، وأراه يمتلك نظامًا واضحًا تمامًا بالنسبة لي. "
هكذا كان سعيد مهران مندمجًا مع الحياة ومتآلفًا معها في زمنٍ سابق. فبين حياته الأسرية كزوج وأب صباحًا، وليله الموزع بين مهنته في اللصوصية وقضاء الوقت مع رفاق المهنة، امتلكت حياته نسقًا واضحًا ونظامًا عامًا استطاع أن ينخرط فيه بسهولة وامتلكت الأشياء معناها في ظله. لكن عندما تهاوى ذلك النسق بخيانة زوجته نبوية ورفيقه عليش، فقد كل شيء معناه، وتشظّت الأواصر بين الأشياء وبعضها البعض، لتصير حياته إلى العبث.
فأي معنى لكل ما كان ولحياته بعد أن اكتشف أنها لم تنضوِ سوى على كذبة كبيرة؟ حب زوجته كذبة، ولاء رفيقه كذبة. والخيانة الأكبر التي سيكتشفها بعد أن تنفتح أبواب السجن، خيانة رؤوف علوان الذي "خلقه ثم ارتد"، كانت الطعنة الأخيرة التي أجهزت على أي معنى متبقٍّ وراء حياته. كانت صيحة نيتشة "مات الإله" هي ما دفعت بالنظام القيمي للعالم قديمًا إلى الهاوية، أما بالنسبة لسعيد مهران، فقد كانت خيانة شخوص الماضي من زوجة وصديق ومعلم هو ما ألقى به لذات الهاوية، لتمتد الحياة أمامه فراغًا كبيرًا. في ذلك الفراغ، وبعد ضياع "ماهيته" السابقة، صار على سعيد أن يحمل على عاتقه مسئولية الاختيار ويخلق لنفسه ماهية جديدة. لكنه لم يستطع التخلص بعد مما مضى، فكان عبر سعيه لرتق ما تبقى من حياته السابقة أن حاول سعيد أن يصنع لنفسه ماهيةً وعالمًا جديدين، ليبدأ بعد خروجه من السجن في رحلة رمزية أراد عبرها أن يستعيد المعنى المفقود.
عند ابنته التي رآها آخر مرة وهي بعد رضيعة كانت أول محطات هذه الرحلة. ولا عجب في هذا، فهي لم تفارق ذهنه طوال أعوام السجن وكانت أول فكرة تبعث في نفسه شيئًا من الأمل والراحة فور خروجه منه: "وسناء إذا خطرت في النفس انجاب عنها الحر والغبار والبغضاء والكدر". كان في ذهابه لسناء بحثًا عن عزاء معنوي، انقلب لشعور غامر بالوحدة والاغتراب والألم عندما أنكرته وجفلت منه وأخذت تصيح باكية فور أن حاولت ذراعاه تطويقها.
سارت به قدماه وقادته نفسه بعدها للمحطة التالية، للشيخ علي الجنيدي، الشيخ الصوفي الذي عرفه صغيرًا مع أبيه، وبحث في زيارته له الآن عن العزاء الروحي، عن ماضٍ أكثر عذوبة لم يكن قد ذاق فيه بعد صعاب الحياة ولا طعنات الخيانة: "وخفق قلبه فأرجعه إلى عهد بعيد طريّ، طفولة وأحلام وحنان أب وأخيلة سماوية وفرحة كالجنة بعثها الحلم والإيمان". لكن الشيخ ما لبث أن تكلم معه بكلماته التي طالما بدت له غريبة وغير مفهومة: "كلمات العهد القديم تتردد من جديد حيث لكل لفظ معنًى غير معناه. أبي كان يفهمك." لم يستطع سعيد أن يجد عند الشيخ ما كان يبحث عنه، لكن لم يجد من يبيت عنده تلك الليلة سواه: "أمامي ليلة طويلة، هي أول ليالي الحرية، وحدي مع الحرية، أو مع الشيخ الغائب في السماء، المردد لكلمات لا يمكن أن يعيها مقبل على النار، لكن هل من مأوًى آخر سواه؟". وهنالك مفارقة لا نملك سوى أن نشعر بها عند قراءة العبارة السابقة، على العكس من المعاني الإيجابية التي عادة ما تقترن في النصوص الكلاسيكية مع الحرية، نلحظ هنا ظلالا من المشاعر السيئة تحاوط لفظ "الحرية". "وحدي مع الحرية"، كما لو كانت تلك الحرية عقابًا أو حملًا ينوء به. يستدعي هذا لذهننا بالضرورة المعاني التي أضفتها الفلسفة الوجودية على "الحرية"، وكونها أثقل ما على أنفسنا تحمله في غياب المطلق.
بعدها، يذهب سعيد مهران لرؤوف علوان، معلمه الفكري، وفي ذهاب سعيد للشيخ علي الجنيدي ولرؤوف علوان بحث عن نموذج الأب، عمن يساعده ويُرشده ويحمل عنه بعضًا من أثقاله، لكن في زيارته لرؤوف يراه وقد تغير حاله رأسًا على عقب، راحت شعاراته الرنانة ومطالبته بعدالة توزيع الثروات بعد أن صار واحدًا من أصحاب هذه الثروات، اختفى الثوريّ القديم وولى تاركًا وراءه رؤوف علوان آخر قطع آخر أمال سعيد في رتق بقايا الماضي: "قلبه يخفق في إشفاق ويتساءل عن المقر إن انهدم الركن الوحيد الباقي. كل خيانة تهون إلا هذه. يا للفراغ الذي سيلتهم الدنيا".
هكذا، تهاوى كل ما كان يمكن أن يستمد سعيد من ورائه معنى ما، انقطعت كل أسبابه بعالمه القديم، وما عاد هنالك ولو خيط واهٍ يربطه بالماضي. ابنته أنكرته، وهو لا يفهم الشيخ ولا يجد عنده عزاء، ورؤوف انقلب بنفسه على ما علمه إياه. لكن سعيد رفض أن يترك الماضي وشأنه، رفض أن يبدأ مرحلة جديدة ويسطر خطًا مختلفًا في صيرورة ماهيته، توقف به الزمن عند لحظة الخيانة وأبى أن يمضي قُدمًا. سعيد يجد في وضعه الحالي قمة العبث: صبيه القديم يسكن بيته وينام على سريره جوار امرأته وابنته تظنه أباها؛ معلمه اليساري صار واحدًا ممن كان يخطب ضدهم يسكن فيلا طويلة عريضة ينتقل في سيارة فخمة ويقوم بخدمته فريق من الخدم. وهو هو، من آمن بكلمات رؤوف وأحب نبوية بصدق وأعطى ثقته لعليش لا مال له ولا زوجة ولا أهل ولا بيت ولا سكن. لا معنى، لا معنى في كل هذا، لا معنى أن يصير طيب القلب إلى الحضيض، بينما يسير الخائنون من ازدهار لازدهار. لكن هذه هي الحياة، وهذا بالضبط ما رفض سعيد أن يتقبله، عن طريق قلب ذلك العالم الذي ما عاد له مكان فيه، عن طريق إنزال العقاب بالخائنين حتى تسترد الحياة في عينه توازنها وإن أودى به هذا لحبل المشنقة، اختار سعيد أن يصنع ماهيته: "هل يمكن أن أمضي في الحياة بلا ماض فأتناسى نبوية وعليش ورؤوف؟ لو استطعت لكنت أخف وزنًا وأضمن للراحة وأبعد عن حبل المشنقة، ولكن هيهات أن يطيب العيش إلا بتصفية الحساب، فهل لحياتك التالفة معنى إلا أن تقضي على أعدائك؟ ما معنى حياتك إن لم تؤدب أعداءك؟"
هكذا، كان عبر تدمير شخوص الماضي أن سعى سعيد أن يصنع المعنى المفقود في حياته، لم يكن الانتقام وحيدًا هو ما يحركه، بل محاولة فرض نسق يحمل العدالة في طياته في وجه ذلك العالم الذي ضن بها عليه، وبالمسدس الذي أخذه من طرزان صاحب القهوة التي كان يتردد عليها في زمن مضى، كان أن حاول سعيد أن يفرض عدالته بالقوة.
لكن العبث كانت له الكلمة الأخيرة. طلقات مسدس سعيد أخذت تخطف أرواح الأبرياء مخطئة أجساد الآثمين ومُزيدة عدد ضحايا العبث في هذا العالم. انكشفت له تلك الحقيقة في المرة الأولى التي استقرت رصاصته في صدر رجل آخر بدل من صدر عليش، فكانت كأنها "جوف قبر انكشف. قضى عليه بلا جدوى. تعب بلا فائدة". لكنه لم يستسلم وظل على عناده، متجهًا هذه المرة لفيلا رؤوف علوان: " يبدو أن عليش سدرة قد أفلت من مخالب التأديب، أما أنت يا رؤوف فالأمل الباقي في ألّا تضيع حياتي عبثًا.. وسوف ترسل خطابًا إلى الصحف بعنوان "لماذا قتلت رؤوف علوان؟" وعند ذلك تسترد حياتك المعنى المفقود، فالرصاصة التي تقتل رؤوف علوان تقتل في الوقت نفسه العبث، والدنيا بلا أخلاق ككون بلا جاذبية، ولست أطمع في أكثر من أن أموت موتًا له معنى".
أفلت رؤوف، وأصابت رصاصة سعيد صدر حارس فيلته، ضاع كل أمل لسعيد في أن يجد المعنى على جثث الخونة، وما عادت له فرصة أصلًا في النجاة، ارتد رفضه في أن يتقبل العبث عليه، وفشلت ثورته الطائشة مهزومة أمام العبث، ففي النهاية: "قالت حياته كلمتها الأخيرة إنها عبث. نجا الأوغاد وحياتك عبث، وأخيرًا لم يجد بدًا من الاستسلام، فاستسلم، بلا مبالاة .... بلا مبالاة ...."
الفصل الثاني: كيف قدم كمال الشيخ رواية نجيب محفوظ إلى السينما؟
ترتيب الأحداث يتم تغييره بشكل ملحوظ ما بين الفيلم والرواية، الرواية تسير بنسق معين بيبين بحث سعيد عن أي نوع من الخلاص بعد خروجه من السجن، ثم فشله المتتالي في أنه يجد الخلاص هذا، ثم محاولة استخلاص المعنى من حياته بالانتقام والعنف
أما الفيلم، فحتى يحافظ على إيقاع متزن ما بين الإرخاء والإثارة، وحتى لا يصيب المشاهِد بالملل، المشاهد يقوم بتوزيع الأحداث ويحافظ على التبادل ما بين فعل ورد فعل بعده بشكل مباشر.
يبدأ نجيب محفوظ روايته من اللحظة التي يغادر فيها سعيد مهران للسجن، "مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية، ولكن في الجو غبار خانق، وحر لا يطاق" بينما يقرر كمال الشيخ العودة بالزمن للحظة أسبق، وإشراك المشاهد في اللحظة التي أودت به هناك، اختيار محفوظ كان ملائمًا لطبيعة الرواية وحسها الفلسفي، لذا يفضل تسليط الضوء على معاناة سعيد المعنوية والذهنية، التساؤلات التي تهاجمه من كل حدب وصوب، النار التي لن يؤذن لها أن تخمد في قلبه أبدا، بينما الشيخ يركز على لحظة الخيانة التي أودت بسعيد إلى السجن، بل إن اللحظة الأولى هي لحظة تأسيس للخيانة، باستخدام الصورة وبلا ثرثرة، "الفيلم علاقة بالنظرات" كما يقول الناقد رامي عبدالرازق.
نرى عليش يجلس على القهوة، بينما تقف نبوية في شرفة منزلها، يتبادلان نظرات موحية بالحب، لكنها مختلسه، موقع عليش في الأسفل بينما نبوية في الأعلى ويركز الشيخ على حركة الكاميرا في صعودها، هي تجسيد بصري للأمر برمته، فهي توشي برغبة عليش في الصعود/التسلق للفوز بنبوية، سيكون عليه إزالة العقبة الوحيدة في طريقة، وهو سعيد الذي سيدخل حيز الكادر بعد لحظات، ثم تلعن نبوية وعليش عن نيتهما للمُشاهد بشكل أكثر وضوحا.
التأسيس للخيانة
بعد إعلانهم عن قرارهم بالزج بسعيد في السجن، يمكن أن يكون الأمر مربكًا لحد ما، أن تفصح الشخصية عن نيتها للمشاهد في فيلم تقوم بنيته على الإثارة، لكن يختفي مثل هذا الارتباك، مع توضيح من المخرج ألفريد هتشكوك الذي يعتبره الكثيرون أحد أفضل من قدم أعمال التشويق والإثارة على الشاشة، يفرق هيتشكوك بين "المفاجأة" و"الإثارة" كلاهما متشابه في المعنى إلا أن هيتشكوك يصر على التفريق "دعني أفسر ذلك، و نحن نحظى بحوارنا القصير هذا فلنفترض أن هناك قُنبلة تحت هذه الطاولة لا نعلم بوجودها، لا يحدث شيء؛ فجأة "بووم !" يحدث الانفجار، الجمهور مُتفاجئ، و لكن في الوقت السابق لهذه المُفاجأة تابعنا مشهدًا عاديًّا تماماً، لا يُنذر بعاقبة كهذه، الآن؛ لنأخذ وضعاً مثيراً للقلق، القنبلة تحت الطاولة، و الجمهور يُدرك ذلك؛ رُبما لأنهم شاهدوا أحد المؤمنين بالفوضى يضعها هنا في مشهد سابق، الجمهور على دراية تامة بأن القنبلة ستنفجر عند الواحدة وهناك ساعة جدارية مُعلقة في ديكور الغرفة؛ عيونهم لا تغفل عن الساعة، خمسة عشر دقيقة تفصلنا عن الواحدة، في مثل هذا الظرف؛ أصبح حوارنا المُمل هذا مُغرياً لأن يتتبعه المُشاهد بآذان صاغية ؛ وأصبح هو الآخر مُتلهفاً لأن يصرخ في وجوهنا: (دعكم من الحديث عن أمور تافهة كهذه، توجد هنالك قنبلة تحت الطاولة وهي على وشك الانفجار"
في الحالة الأولى أعطى هتشيكوك المشاهد خمس عشرة ثانية من الإثارة، بينما في الحالة الثانية منحهم خمس عشرة دقيقة، هذا ما فعله الشيخ تحديدا، ليس فقط بمنح المشاهد فترة أطول من الإثارة، بل إعلان واضح منذ اللحظات الأولى في الفيلم، عن نيته الانفصال عن عالم الرواية الأصلي، والنوع الفلسفي التي انتمت إليه، واستدخالها في نوع سينمائي مختلف، وهو أمر لطالما عمد إليه الشيخ في أفلامه بحسب الباحث محمد عبيدو في مقاله بموقع مكتوب المنشور في مارس 2010 "اعتمدت أفلام الشيخ على الصراع المباشر المشوق، الذي يقوم على الشكل الأقرب للصراع البوليسي، حتى في تعامله مع كتاب الرواية مثل نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس وفتحي غانم، فقد أخذهم إلى عالمه، أو اختار من أعمالهم ما يتفق ورؤيته"
يبدو بوضوح إلى حد بعيد، عدم استسلام الشيخ لرؤية محفوظ الفلسفية في الرواية، من خلال التغيير الكبير الذي شمله في بداية أحداث الفيلم، لكن الصعوبة الأكبر، تكمن ربما في النوع السينمائي الذي اختاره الشيخ لتأطير فيلمه.
الفيلم نوار وسماته
في وقت الكساد الكبير في أمريكا ظهر نوع فيلمي مميز يسمى الفيلم نوار، وهو يعني بشكل حرفي "الفيلم الأسود" وهو شكل من أشكال أفلام الجريمة، تحديد سمات الفيلم نوار شيء غير دقيق أو صارم، عكس أنواع أخرى مثل الويسترن الذي يدور في أماكن محددة بملابس معينة وسمات خاصة للبطل وللصراع، أو الفيلم الموسيقي مثلا الذي يُعرف بمجرد رؤية الفقرات الغنائية والاستعراضات، أما الفيلم نوار فهو متعلق بالحالة البصرية والسيكولوجية العامة للفيلم(2)، فبصريات نوار مستلهمة من المدرسة التعبيرية الألمانية التي تتسم باستخدام تصوير بالأبيض والأسود ذي ظلال حادة وغير واقعية وتباين عالٍ بين الظل والنور، وبطل الفيلم عادة ما يكون مضطربا وساخرا وغير مثالي، أي إنه ليس بطلا بالفعل لكنه حائر وغامض وأقرب للبطل الضد.
لكن ثمة حالة من الغموض ارتبطت بمفهوم الفيلم نوار، أرجع فرانك صعوبة وضع تعريف للنوار بسبب المرجعية المتعددة لذلك النوع: أدب الجريمة وأفلام العصابات والتعبيرية الألمانية والواقعية الشاعرية الفرنسية، تلك المرجعية المتعددة التي أربكت الناقد الذي صك مصطلح النوار نفسه، تجعل من الصعب وجود تعريف نهائي لذلك النوع من الأفلام، لكن مع تبلور النوع بمرور الوقت أصبح ثمة سمات متكررة، يرى الناقد السينمائي عماد العذري أن أهمها تتلخص في (الحبكة الاستقصائية/ التحقيق، صوت الراوي/الفلاش باك، هلامية الحقيقة، أهمية البطل الأنثى/المرأة اللعوب، بالإضافة للطقوس البصرية والتباين الحاد بين النور والظل، والاستخدام الكثيف للظلال)
كيف حول كمال الشيخ رواية نجيب محفوظ الفلسفية إلى الفيلم نوار؟
المرأة اللعوب
لدينا نموذجان للمرأة اللعوب، كلاهما مؤثر بشكل رئيسي في الدفع بالأحداث، شخصية نبوية، وشخصية نور، فيكون الدافع الأول، لدى عليش لخيانة سعيد هو الظفر بنبوية، ثم يخبرنا الشيخ في مشهد لاحق أن نبوية هي الدافع في اتجاه سعيد من البداية نحو السرقة، فهو يبني العلاقة من خلال المونتاج.
ننتقل من مشهد تلوح فيه نبوية لسعيد بأنه لا يبذل مجهودا كافيا للفوز بها وتخليصها من عملها، ينتقل مباشرة إلى بيت الطلبة واتهام سعيد بسرقة متعلقات أحد الطلبة، تلاعب نبوية بسعيد في البداية ثم عليش بعد ذلك يجعلها أقرب لنموذج المرأة اللعوب محركة الحدث، على الناحية الأخرى تظهر نور بشكل أكثر تأثيرا في حياة سعيد، على الرغم من اعتراضها على مواصلة سعيد فيما يفعله، فهي تكون دائما الطريقة التي يستكمل بها سعيد رحلته في الانتقام، فهي من توفر له السيارة الذي يذهب بها لقتل عليش، ثم زي الضابط الذي سيرتديه في محاولة قتل رؤوف علون.
الفلاش باك
تقنية الفلاش باك تنتمي بصورتها البصرية إلى السينما، فهي تختلف عن المناجاة أو المونولوج الداخلي في الرواية، لكنها تصبح ذاتها وظيفة أكثر تحديدا في نوعية الفيلم نوار، ما يجعل تقنية الفلاش باك أحد السمات الرئيسية في الفيلم نوار، ليس حضورها الدائم فقط في تلك النوعية من الأفلام، بل في الطريقة التي تستخدم بها تحديدا، حيث يتم توظيفها للكشف عن لحظة تنوير للبطل، أو الكشف عن الحدث/الدافع الرئيسي في حياة أحد الشخصيات، وهو ما ينجح فيه كمال الشيخ إلى حد بعيد، حيث تكون لحظة الفلاش باك في الفيلم، كاشفة عن لحظات مؤثرة في حياة سعيد مهران، بل ومؤثرة في كل الأحداث التي تلت ذلك.
نحن نرى في مشهد الفلاش باك، ضغط نبوية على سعيد من أجل توفير المال اللازم لزواجهما، وهو ما يدفعه للسرقة، وهو الأمر الذي يقوده إلى فلسفة رؤوف علوان، في حق الفقراء في انتزاع أموالهم من الأغنياء، كل تلك المشاهد التي شكلت الدوافع الفكرية والعاطفية لوصول سعيد لما هو عليه، ندركها من خلال الفلاش باك، حتى حالة سعيد مهران النفسية، فمشهد الفلاش باك يكون المشهد الوحيد الذي لا يرتدي فيه سعيد ملابس داكنة، وهي المشاهد الوحيدة التي يظهر فيها في ضوء الشمس أيضا، بينما تعكس كل المشاهد الأخرى حالة الإعتام التي تحاوطه من خلال الأزياء الداكنة، والإضاءة المعتمة والظلال التي ترافقه دائما.
الإضاءة والتصوير
تشابه أسلوب المخرج كمال الشيخ إلى حد بعيد مع أسلوب الفيلم نوار، فخيمت على الفيلم بصورة عامة الظلال، التي تبين الجو التشاؤمي العام للفيلم، وعن الظلام الذي أصبح يحاوط بطله وفي داخله، ليس ذلك فقط، بل عبر من خلالها أيضا عما يمكن اعتباره حاله من العبث، فسعيد مهران يقتل أبرياء بلا ذنب مثل الرجل الذي اشترى منزل عليش، وبواب منزل رؤوف عليان، هؤلاء ليسوا فقط أبرياء، بل ينتمون للطبقة التي رأى سعيد في أحداث الفيلم أن من حقها أن تسرق الأغنياء، فكرته البسيطة عن العدالة الشعرية، تنقلب ضده، فيموت ضحايا أبرياء بديلا عن هؤلاء الذي استحقوا العقاب، لذا يأتي توظيف الظلال والإضاءة المعتمة لشخصية البطل والأماكن في الفيلم مناسبًا تماما لموضوعه.
بالإضافة لهذا، يأتي في استخدام الشيخ للظلال والأضواء انعكاسًا لما خطه نجيب محفوظ طوال الرواية من حالة الظلام التي يعيش فيها سعيد مهران الحاملة بدورها لظلال فلسفية، نقلها الشيخ بشكل بصري على الشاشة. فيناجي سعيد نفسه في بيت نور: "يا له من ظلام! انقلب خفاشًا فهو أصلح لك"، ويصور لنا السارد ما يحيطه من عتمة في أكثر من موقع من النص، فهو: "وحيد في الظلمة تتربص به المدينة التي تلوح أصداؤها في الأفق"، ويعود لمخبئه بعد سيره في الخارج ليجد نفسه: "مع رفاقه الوحدة والظلام والانتظار"، كما يتم تصوير الضوء بشكل مزعج ومنفر في السرد، نرى انعكاسًا بصريًّا له في الفيلم: "وبغتة دهمه نور ساطع من كل ناحية، نور شديد انقض عليه كلكمة قاضية". فالضوء وما يحمله من مجاز عن التنوير والحقيقة هو شيء لا يُطاق بالنسبة لسعيد، فيظل حتى النهاية يؤثر أن يعيش في أوهامه المضللة على أن يواجه ما يحيط به من عبث، وليأتي موته و"الظلام يتكاثف فلم يعد يرى شيئًا ولا أشباح القبور، لا شيء يريد أن يرى، وغاص في الأعماق بلا نهاية".
تباين حاد بين الظلال والأضواء في الصورة الأولى والثانية يتزامن فيه قدوم الضوء مع حلول كارثة، وفي الصورة الأخيرة يغطي سعيد عينيه رافضًا أن يرى الحقيقة بعد أن عرف أن من قام بقتله في تلك الليلة لم يكن عليش
القُضاة في حلم سعيد مُعتمين بلا ملامح، دليل على رؤيته لغياب العدالة في هذا العالم المحكوم بالعبث
فلاش الكاميرا الباعث على الاضطراب هو آخر ما تبصره عينا سعيد قبل أن يغمضها للأبد
المراجع:
• Crowell, Steven, "Existentialism", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2017 Edition)
• الفلسفة أنواعها ومشكلاتها، تأليف هانتر ميد، ترجمة فؤاد زكريا، مكتبة مصر 1969
• Les Red, Mark Conrad, The Philosophy of Film Noir, Philosophy Now Magazine, September/October 2008
• وقائع السينما المصرية في مائة عام، علي أبو شادي، المجلس الأعلى للثقافة ص123
• المخرج كمال الشيخ فنان التشويق والإثارة في السينما العربية، محمد عبيدو
• الفيلم الوثائقي "هتشكوك/تروفو" للمخرج كينت جونز عام 2016