الفيلم القصير كمساحة لصناعة الاحلام

رحمة الحداد 15 مارس 2022 الفيلم القصير

الكاتب : رحمة الحداد


رحمة الحداد



"إذا تساءلت يوما من أين تأتي أحلامك عندما تذهب للنوم، انظر حولك، هنا تصنع الأحلام"
في أحد مشاهد فيلم هيوجو من إخراج مارتن سكورسيزي والمقتبس عن رواية اختراع هيوجو كابري لبريان سيلزنيك، تتجول نسخة متخيلة من المخرج والساحر الفرنسي جورج ميلييس George melies في موقع تصوير أحد أفلامه، صوبة زجاجية عملاقة ، سيدات في ملابس حوريات، رجال في هيئة قراصنة ورجال فضاء وهياكل عظمية متحركة، تتجول تلك الشخصيات كما في أحد الأحلام الغرائبية المعقدة جنبا إلى جنب مع الواقع المتكون من آلات تصوير و عاملي إضاءة وعالم خارجي حديث، يهمس ميلييس لطفل مشدوه بما يختبر من سحر في موقع التصوير: هنا تصنع الأحلام.

جورج ميلييس (1861-1938) هو أحد رواد السينما بل هو أحد المساهمين في الصورة التي نرى بها الأفلام اليوم، في وقت ممارسته للإخراج وصناعته للأفلام كانت مدة أفلام السينما لم تزل قصيرة نسبيا، الفيلم الطويل الذي نشاهده اليوم لم يكن هو السائد بل كان الاستثناء، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتجريب أو مخالفة التقاليد التي تم إرساؤها للتو، كانت السينما تجربة في الصورة والحركة في الأساس، عندما عرض الأخوان لوميير مقاطعهما المصورة لأول مرة أو حتى قبلها حينما أجرى عليها توماس اديسون التجارب وعرضها بشكل محدود مخصص لتجربة شخص واحد في المرة.

بدأت السينما كتجارب وثائقية مجردة من الحكاية أو السرد، ومع شيوعها أصبحت أشبه بوسيط لنقل المسرح والرواية في إطار أبسط فلم يكن الصوت حاضرا بعد، ومع ميلييس وأفلامه القصيرة التي مزجت بين السحر والحركة توسعت إمكانياتها، بعده رسخت كفن روائي وتجريبي، طورها الكثيرون وأضافوا إليها كوسيط بصري، أصبحت وسيطا أكثر رحابة وتقبل لما هو خيالي وتجريبي، وكلما أصابها الجمود والمسرحية أو أصبحت أسيرة لقواعد السرد ومحددات القصة حرارتها تجارب قصيرة على فترات متباعدة وعلى يد مخرجين متنوعين حول العالم، مع تطور السينما كصناعة وتجارة ضخمة لطالما كانت الأفلام القصيرة مساحة أكثر ترحيبا بالتجريب، يحدث كل عدة عقود أن يأتي أحدهم بتجربة قصيرة تطرح رؤية بديلة للسائد ويوقظ الوسيط من محدودية تفرض عليه.

ثورة العقل الباطن
"أستطيع القول بلا تفاخر أنني أول من نجح في كشف كل العمليات التي تتصف بالغموض في صناعة السينما "

في عام 1902 قام فيلم لا تزيد مدته عن عشرين دقيقة بتغيير العالم، صنع جورج ميلييس فيلمه رحلة إلى القمر A trip to the moon بمزيج من الخدع السحرية والتقنيات السينمائية، نقل الفيلم بجانب أفلام أخرى لميلييس السينما من كونها أشبه بتجربة علمية اجتماعية إلى عرض تخيلي يمكن للفن أن يجد مكان داخله، عمله كساحر مسرحي في الأساس جعله يذيب الفارق بين العرض الحي والتسجيل على الشاشة، فأصبحت أفلامه أشبه بتصوير عرض مسرحي لكنها أكثر غرائبية وسحرا وتتضمن حكايات ذات مواضيع أكثر تعقيدا، مما أرهص للسينما الروائية كما نعرفها اليوم.



طورت أفلام ميليه ودمجت أنواعا سينمائية مثل الخيال العلمي والسريالية والفانتازيا، وتقنيات مثل الإظهار المزدوج والتلوين اليدوي، لكن تجاربه في الحيل السحرية التي تطورت إلى خدع سينمائية أفسحت المجال لفنانين مثل لويس بونويل ( Luis bunuel (1900-1983 في نقل السريالية إحدى أشهر المدارس الفنية التشكيلية إلى السينما، بمشاركة أشهر أسمائها سلفادور دالي، مهد تجريب وخيال ميلييس لأفكار سينمائيين مجربين يفضلون استكشاف عوالم العقل الباطن والامكانيات اللانهائية للوسيط البصري، وبدأ بونويل أحد هؤلاء المجربين مسيرته الخالدة بأحد أشهر الأفلام التجريبية القصيرة على الإطلاق.

أعطني ساعتين للعمل في اليوم و سأقضي الاثنين وعشرين الباقية في الأحلام"
أصبحت السينما وسيطا ربما أكثر ملاءمة من الرسم لأفكار السرياليين، كونها وسيطا متحركا ويمكن التلاعب بالواقع داخله وإعادة ترتيب مفردات الحقيقة لبناء عالم يمكن فقط أن يتواجد داخل عقل المفكر فيه، حولت السينما أفكار السرياليين المتعلقة بالأحلام وتفسيراتها والدراسات الفرويدية والاهتمام بالعقل الباطن إلى حقيقة، مهد لذلك فيلم لم يحصد الشهرة الكافية يسمى القوقعة ورجل الدين The seashell and the clergyman 1928.

تدور أحداث القوقعة ورجل الدين من كتابة أنتونين أرتو Antonin atraud وإخراج جيرمان دولاك Germaine dulac في عالم ما بين الواقع والحلم، سريالية تجمع بين ما هو مقبض وما هو شاعري، مشاهد بالتصوير البطىء حالمة أحيانا وموترة أحيانا، منطق حلمي يصعب تفسيره لكن يحكمه إطار قصصي بشكل أو بآخر، استخدمت دولاك تقنيات مثل الظهور والاختفاء والخدع التي اشتهر بها ميلييس وركزت كتابة أرتو على علاقة العقل الرجولي بالتصورات الفرويدية الجنسية عن العقل الباطن وملاحقة السيدات وصعوبة الوصول إلى المبتغى، يزرع الفيلم موتيفات يمكن اعتبارها رمزية لكنها لا تملك تفسيرات ثابتة، مشاهدة القوقعة ورجل الدين أشبه بالمرور بتجربة حلم محموم لكنه لم يكن الفيلم الذي لفت عالم صناعة السينما لإمكانياتها السريالية، وضعه في الظل فيلم آخر صدر بعده بعام واحد.


يصاحب فيلم كلب أندلسي Un chien andalou الكثير من أسماء التفضيل، أشهر فيلم قصير، أول فيلم سريالي وأحد أهم الأفلام في تاريخ السينما، صدر الفيلم عام 1929 وتشارك في كتابته كل من لويس بونويل والرسام الشهير سلفادور دالي بناء على مزيج بين حلمين راودا كل منهما على حدا، تجربة مشاهدة كلب أندلسي أشبه باختبار حلم ولد داخل عقل أحدهم، مقلق ومنفر لكنك لن تستطيع النظر بعيدا، لا يعتمد الفيلم على شخصيات أو حبكة قصصية من أي نوع لكنه قائم على تداعي حر لأفكار بصرية متتابعة، هواجس جنسية ومخاوف يمكن فقط أن تتواجد في العقل الباطن وجدت طريقها لوسيط قادر على تصوير الأحلام بمفهومها السحري ومفهومها المقبض كخزانة للأفكار المكبوتة، مهد كلب أندلسي لنظرة جديدة على كيفية صنع الأفلام وإخراجها، تحلل من ضرورة البناء القصصي وحتمية الحكاية وفضل الشعورية على المنطق وأدخل مصطلح التجريب على وسيط كان لم يزل فتيا وقتها.


ساهم كلب أندلسي في تحويل السينما من وسيلة لتسجيل الواقع أو الاستخدام العملي كغاية في حد ذاتها، ووضعها في مصاف الفنون العريقة مثل الرسم الكلاسيكي والموسيقى، يعتبر البعض كلب أندلسي هو أشهر فيلم قصير في تاريخ السينما، فيلم تلقاه الجمهور وقتها كصدمة، لم يساوم الفيلم على غرائبيته غير الاعتذارية ونيته الواضحة في التغريب وليس حصد الإعجاب، وكعادة التجارب الجديدة فإنها دائما ما تصطدم بتوقعات الجمهور وهذا ما أراده بونويل تماما.

في مذكراته أعلى بونويل من قيمة الصدمة أو كما أسماها الفضيحة كسلاح بدلا من الأسلحة النارية، فعن طريق الفضيحة تصبح له القدرة على محاربة مجتمع محافظ يحتقره، وغالبا ما تتطور السينما أو الفن بشكل عام عندما يتصدر أحدهم لمواجهة الجميع بفضيحة، لكن تلك الصدمة تؤرخ لعصر جديد فيما بعدها، لم يتوقف تأثير كلب أندلسي على الجوانب الفنية والتقنية أو حتى الفلسفية لكن في كيفية صناعة السينما نفسها وأساليب إنتاجها.

يصف الناقد روجر إيبرت كلبا أندلسيا أنه أحد أول الأفلام "المصنوعة باليد" في تاريخ السينما، مبدعوه محدودون بميزانية ضئيلة وبدون دعم من الاستوديوهات الكبرى، فهو جد لأعمال مثل أفلام جون كازفتيتيس والسينما الرقمية المعاصرة، يرجع إيبرت مفهوم السينما المستقلة لصناعة كلب أندلسي، فيصبح ليس فقط أحد أكثر الأفلام التجريبية تأثيرا لكنه أيضا خروج وتمرد على الاستوديوهات الكبرى، مهدت لصناعة سينما بديلة على هامش تجارة ربحية تحد من التجريب، ساهم كل من كلب أندلسي والقوقعة ورجل الدين في فتح المجال لسينما تجريبية تستكشف أنساق مختلفة للسرد والتصورات البصرية لكنها دارت في أفق التصورات الرجولية/الذكورية عن العقل الباطن، استمر ذلك حتى بدأت مايا ديرين في صناعة الأفلام في أربعينيات نفس القرن.

14 دقيقة نحو سينما نسوية
"في محاولات تطبيق الجماليات المقبولة حاليا لأول وسيط فني جديد منذ قرون، وجدت أنه من الضروري إعادة فحص وإعادة تقييم المبادئ التي أصبحت "مفهومة" كقيمة تتخذها الفنون الأخرى بشكل ضمني في القرن الماضي وإعادة تقييم الفرضيات غير الجدلية للعمل الإبداعي"

في عام 1943 صنعت مايا ديرين (1917-1961) Maya deren بمشاركة زوجها فيلم قصير تجريبي أسمته تشابكات الظهيرة Meshes of the afternoon يميل في أجوائه إلى سريالية لويس بونويل ويمكن تفسيره بنظريات التحليل النفسي مثل يونج وفرويد التي يميل إليها المحللون عند تناول ما يمكن وصفه منطق الاحلام لكن تلك المرة صانعة الفيلم امرأة، تتنحى في الفيلم الرؤى الجنسية المتعلقة بالتعنيف والاغتصاب ويحل محلها سرد بديل دائري يصفه البعض بأنه أقرب للفيلم نوار، النوع الفيلمي الذي ازدهر بعد الحرب العالمية الثانية أكثر منه الى السريالية وتصفه ديرين نفسها بأنه مزيج بين الفيلم نوار والميلودراما المنزلية، يتكشف الفيلم مثل فيلم بوليسي يتوسطه لغز، لكنه لغز لا يمكن للمنطق أن يحله، تتكرر المشاهد وتتحول العناصر وينتهي الأمر بأن تصبح تجربة المشاهدة أشبه بحلم مألوف، شخصيات بلا أوجه ومحاولات لا طائل منها وشعور بالسقوط من أعلى أليست تلك موتيفات نختبرها أثناء النوم؟، لكن ديرين لا تكتفي يتركيب الصور الحلمية جنبا إلى جنب مثل بونويل لكنها تستكشف السينما النوعية كإطار يحد سرديتها الغرائبية.



يميز الفيلم بعده عن عنصرين أساسيين فيما يتعلق بالتجريب، فهو ليس أوروبي، ديرين مخرجة أمريكية، وهو ليس رجوليا/ذكوريا، دفعت تجارب ديرين العديدات من الفنانات خاصة النسويات منهن على اتباع شغفهن بصناعة الأفلام، مثل تركيزها على وجودها الجسدي بذاتها داخل ما تعرضه وتقصه نقطة قوة، فنادرا ما تمثل النساء أنفسهن داخل الصورة السينمائية، يظهرن كما يراهن الرجال ويتصرفن كما يتصورون كيف يتصرفن، أعادت ديرين امتلاك السلطة والأهلية على صورتها وجنسيتها فأصبح تشابكات الظهيرة أحد أهم الأفلام النسائية والنسوية وأحد أكثرها تأثيرا في السينما عموما.

في مقال مطول لها تشتبك ديرين مع مجموعة من معطيات العالم الحديث خاصة عالم ما بعد الحرب، القنبلة النووية، العلم، الإدراك الانساني، السريالية والفن، وفيه تنتقد الأفكار الهوليوودية المعلبة واعتماد صناعة الأفلام الامريكية الشعبية على الأنماط المتكررة، تحاول ديرين وضع إطار نظري لعمليتها الإبداعية المتحللة من الحبكة ومن السرد التقليدي بل ومن السرديات المهيمنة سواء كانت ذكورية أو تجارية، يعتبر الباحث لويس جيكوب أن تشابكات الظهيرة هو الفيلم التجريبي الأول الخارج من رحم الحرب العالمية الثانية، ألقت الحرب العالمية الأولى بظلالها على السرياليين الأوائل ومدارس مثل التعبيرية الالمانية أما الثانية ففتحت الباب لتساؤلات عن البقاء والخوف من الفناء بسبب طبيعتها النووية وتطورها العلمي المخيف، مما دفع المبدعين لاختيار واقع بديل بعيد عن فظائع الحقيقة لكنه ليس منفصلا عنها.

امتد تأثير مايا ديرين وخاصة فيلمها تشابكات الظهيرة إلى صناع الأفلام التجريبيين والسرياليين المعاصرين مثل ديفد لينش الذي يمكن رؤية تأثير الفيلم بوضوح في أعماله، خاصة في طبيعة استكشاف النفسيات النسائية وطبيعة الأحلام التكرارية، وأثر كذلك على الفنانات النسويات مثل باربرا هامر وشانتال أكرمان، بسببه أصبح للنساء قدرة على التعبير عن ذاتية لم تتوافر بنفس القدر قبله، كما أنه فتح الباب لأفلام تدور في مساحة وزمن خاص بالنساء، فالمساحة المنزلية يندر استكشافها في الأفلام ونادرا ما تكون هي الغاية بل تكون وسيلة لاستكشاف مساحات أخرى.

لا تتوقف مساهمات الفيلم القصير وطبيعته التجريبية على المساحات التي تستكشف العقل الباطن والسرد المتشظي الحر، بل تمتد لتكسر أنماط صناعة السينما السائدة وطبيعة أبطالها وتفضيلاتها الاجتماعية، في الخمسينيات سادت الأفلام التجارية التي تتناول حيوات فارهة ذات صورة اجتماعية وجمالية وعمرية معينة لأبطالها قبل أن تأتي من فرنسا موجة تعيد تفكيك طبيعة تلك السرديات.

الأطفال لتغيير العالم

في عام 1959 صنع فرانسوا تروفو (1932-1984) Francois truffaut فيلمه الأشهر الربعمائة كارثة the 400 blows، أحد أول أفلام الموجة الفرنسية الجديدة إحدى أشهر الحركات السينمائية وأكثرها تأثيرا، يحكي الفيلم من منظور طالب سأم التسلط العائلي والمدرسي، لم يكن من الطبيعي أن يكون طفلا في مرحلة ما قبل المراهقة من عائلة من الطبقة المتوسطة بطلا لأحد الأفلام، لم تكن تلك هي القصص المتوقعة من سينما الخمسينيات، أطفال يتمردون على الكبار في مجاز للعلاقة بالسلطة، لكنها لم تكن المرة الأولى.


في 1933 عرض الفيلم الثالث لجان فيجو (1905-1934) Jean vigo صفر للسلوك Zero for conduct، منعته الحكومة الفرنسية بسبب طبيعته الثورية، تلك الأفكار الثورية تمثلت في مجموعة من الأولاد طلبة مدرسة داخلية متزمتة يثورون على القيادة المدرسية عن طريق إثارة الشغب والفوضى الطفولية، لم يكن الفيلم تجريبيا على مستوى السرد البصري بشكل متطرف مثل كلب أندلسي لكنه لم يكن فيلما قصيرا كلاسيكيا تقليديا، تبنى وجهة نظر مجموعة أبطال من الأطفال واستخدم ممثلين غير محترفين، وهو ما أثر في الموجة الفرنسية لاحقا، هدم النمط المحافظ لكيف يجب أن تبدو الأفلام ومن هم جمهورها، دمج فيلم فيجو ما هو واقعي ويومي مع ما هو شاعري وساحر بسلاسة أصبحت من أهم سمات الموجة الفرنسية الجديدة في الستينيات.


مهدت مجموعة من الأفلام القصيرة بعد صفر للسلوك للموجة الأشهر والأكثر تأثيرا في العالم منها البالون الاحمر The red balloon لألبريت لاموريس والذي مزج التصوير الخارجي الواقعي مع عناصر الفانتازيا والخيال بروح متمردة بالطبع، ومع صعود الموجة الفرنسية وتصديها للسينما التجارية السائدة بزغ بجانبها مجموعة مخرجين فرنسيين يتبنون قيما مشابهة لكنهم أكثر ميلا للتجريب والتجريد في صناعة الأفلام تم تسميتها سينما الضفة اليسرى Left bank لم يملكوا الشهرة ذاتها وقتها لكن أفلامهم أعطت روحا جديدة للفن الطليعي والتجريبي منهم أنياس فاردا Agnes varda ، ألان رينييه alain resnais وكريس ماركر chris marker.

صنع كريس ماركر (1921-2012) فيلما قصيرا يعتبر واحدا من أشهر الأفلام القصيرة وأكثرها تأثيرا وهو المحطة La jetee 1962، يدمج الفيلم مجموعة أنواع سينمائية دون أن يكون فيلما نوعيا، عاد ماركر لنظريات الفيلم الأولى التي فسرت الصورة المتحركة بكونها تتابع من الصور الثابتة، فاستخدم الصور الفوتوغرافية بجانب الصور المتحركة ومزج التقنيتين معا في تجربة شعورية وتقنية آسرة، فيلم خيال علمي عن قصة سفر عبر الزمن، يستكشف أهوال الحرب والذاكرة البشرية وطبيعة الزمن في مدة نصف ساعة، يستمر تأثير الفيلم إلى الآن لكن لم يصل المتأثرين به لفرادته بعد على الرغم من تكرار محاولات محاكاته، في تسعينيات القرن الماضي اقتبس المخرج البريطاني تيري جيليام فرضيته الأساسية لصناعة فيلم سفر عبر الزمن ممتع يسمى اثنى عشر قردا 12 monkeys لكن يمكن اعتباره تقليدي بالنسبة للنوع، وحتى مع طبيعة جيليام السيريالية التجريبية فإن فيلمه لم يلتقط الروح التجريبية للمحطة.


في عصر سينمائي جديد يتهدده عبارات متكررة تحذر من موت السينما وتراجع الفن، ربما ذلك الفن الذي لم تتخط صناعته الثلاثة قرون بعد في حاجة لمغامرة جديدة تستكشف قدرات الوسيط من جديد وتوقظه من جمود المحتوى المعلب الجاهز للاستهلاك، لكن شساعة وضخامة الصناعة بشكلها الحالي تجعل من بزوغ تغيرات كبرى أو موجات جديدة تصور بعيد عن التصديق، لكن ربما يهب الفيلم القصير كما يفعل كل فترة ليعيد السينما لصورتها الأولى، ويذكرنا أنها ليست فقط تجارة ضخمة تهدف للربح السريع لكنها أيضا وسيلة لرؤية الأحلام في وضح النهار.

التعليقات :

قد تعجبك هذه المواضيع أيضاً

أحدث المقالات