سامح سامي يكتب: السينما التشكيلية والذهن العربي

سامح سامي 01 يناير 2019 السينما التشكيلية..سحر الصورة

الكاتب : سامح سامي


في إحدى قاعات الدرس، قال الأكاديمي إن المجتمعات العربية لديها أزمة في فهم السينما وتذوقها، وقال كلاما، من هنا ومن هناك، مفاده أن الثقافة العربية ترتكز على الـ"كلام"، وليس على الـ"صورة"، وهذا يعني أنها ثقافة لا تسمح في أذهان التابعين لها بالتعامل البصري مع قضايا الناس وحياتهم، أو أنها تعيق فهم تلك الحياة، وذلك العالم عبر الطرق الإبداعية الأخرى، على عكس ثقافة الكلام التي يفهمها العربي، وبالتالي قد يتقبلها ذهنه. (قد) هنا؛ لأن الثقافة العربية، عبر تاريخها، لا تحتمل رغم ذلك كله الكثير من حرية وإبداع "الكلام".
وهذا الطرح الذي قاله الأكاديمي، وهو موضوع يحتاج إلى نقاش، سأعود إليه في نهاية مقالي؛ لأن كل شيء تحت السماء "نسبي"، وكل فعل إنساني لا يستقيم معه "مطلق"، تزامن مع إبداء رغبة إدارة تحرير مجلة الفيلم في إصدار عدد خاص عن "السينما التشكيلية"، مع تخوف البعض من صعوبة تنفيذه ومعالجته صحفيا، أو بالأحرى مدى وفرة المادة التي يمكن نشرها. لكني كنت مشغولا بما قاله الأكاديمي، فوجدتها فرصة لمناقشة كيف نفهم الفن وفقا للعقل العربي؟ إذ يظهر لنا تحدي تعامل الثقافة العربية، وما تنتجه من أساليب للفهم والقبول العقلي مع الفنون عامة، ومع الفنون التشكيلية والسينما خاصة، فالصمت في السينما كلغة أساسية تتناقض مع ذهنية الكلام في الثقافة العربية. ويزداد الأمر تعقيدا في حالة كون الفيلم يعتمد على الفن التشكيلي، حيث يرتفع سقف الفن، ويبتعد عن ثقافة الكلام، فيقترب من جمال الصورة السينمائية.
وجدتها أيضا مَخرجا لرتابة الحالة الصحفية الراهنة التي جعلت الصحفي يعرف ما سيكتبه مسبقا، فلا يحس بمغامرة الاكتشاف، ومتعة البحث والمعرفة، وقبلها متعة التعلم الشخصي، ذلك التعلم الذي يتعالى عليه بعض الكتّاب والنقاد، نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يمسكون سيفا لكل مختلف معهم، بحجة أنهم ملاك الحقيقة الفنية المطلقة.
كما وجدتها تكئة لطرح أسئلة: ما هو الفن؟ وما نظريات فهم السينما؟ وكيف نرى السينما بوصفها فنا تشكيليا نوعيا؟ وكيف تتبادل السينما وتشكيل الجماليات المشتركة بينهما؟ وهل تستطيع السينما اختزال جماليات الفنون الأخرى؟ وما دور التكنولوجيا في تطوير تلك الجماليات البصرية؟ وأسئلة أخرى حول جماهيرية السينما، وخاصة السينما التشكيلية التي تهتم بالصورة، في ظل ظروف الإنتاج السينمائي الحالي في مصر، وكيف نصنع فيلما جماليا وجماهيريا في الوقت نفسه؟
معروف أن كل الفنون منتجات اقتصادية بطبيعتها، ويجب النظر إلى شروطها الاقتصادية، وأن لكل فن حدوده التي تضعها حقائق اقتصادية محددة، ولأن السينما ــ وفقا لجيمس موناكو في كتابه "كيف تقرأ فيلما" ــ فن بالغ التكلفة، فإنها معرضة بشكل خاص إلى تغييرات وتشوهات تُحدثها الاعتبارات الاقتصادية التي تضع حدودا صارمة على السينمائيين. حديث موناكو عن اقتصاد السينما، يأتي وسط كمٍّ هائل من تبريرات بعض صناع السينما، خاصة من يقولون على أفلامهم أنها بديلة، من قبيل "يجب المغفرة للفيلم؛ لأنه منخفض التكلفة"، فأصبحت بعض الأفلام "المستقلة مجازا"، وفق ذلك التبرير، بديلة عن الجمال، وبعيدة عن الفن، ولصيقة لـ"الممل"، وعلى النقيض مع الوعي والتغيير، ومعوقة لجهود طويلة من محاولة تفكيك سيطرة رأس المال الكبير على حركة الفن.
وأذكر أننا في عدد يوسف شاهين التذكاري أكدنا أن احتفالنا بشاهين يأتي متسقا مع تجربة «الجزويت» في تعليم السينما، التي تحاول القول إن السينما الجادة يمكن أن تؤثر في الناس، وقادرة على التغيير، بدون كلام وعظي ومباشر، فيوسف شاهين هو النموذج المكتمل لرؤية الجزويت لتكوين فنان شامل جريء في التعبير عن ذاته، وعن قضايا الآخرين، فمن ينظر لمساره يجد أنه حل "عقدة" الكلام المحبط، الذي يقال إن السينما البديلة، تغرد بعيدة عن الجمهور وعن التأثير.
(2)
أحد المؤرخين اعتبر الفن إحدى "الكلمات الأساسية" التي يجب على المرء أن يدركها من أجل أن يفهم العلاقات المتبادلة بين الثقافة والمجتمع. وقال جيمس موناكو:"إذا كان الشعر هو ما لا يمكن لك ترجمته، كمال روبرت فروست، فإن الفن هو ما لا يمكن أن تقدم له تعريفا. ومع ذلك فإنه من الممتع أن نحاول ذلك، فالفن يغطي مجالا واسعا من الفعل الإنساني، حتى إنه يصبح أقرب إلى أن يكون "موقفا" أكثر من كونه "نشاطا"
وحاول أن يقترب أكثر فقال:" لقد كان إنتاج الفن أصلا يتم في الزمن الحقيقي: المغني يغني الأغنية، الحكواتي يروي الحدوتة، الممثلون يمثلون الدراما. وكان تطور فن الرسم والكتابة (من خلال الرسوم التصويرية) يمثل قفزة هائلة في نظم التواصل. لقد أمكن تخزين الصور، وحفظ القصص، لكي تتم استعادتها بالضبط بعد ذلك، وطوال ستة آلاف سنة كان تاريخ الفنون جوهره تاريخ هذين الوسيطين التجسيديين: التصويري والأدبي".
وفي قراءة لكتاب مدير التصوير الكبير سعيد شيمي "تلاتيب الصورة" أشارت الأستاذة عزة إبراهيم إلى تأكيد شيمي أن الصورة تحمل بداخلها كل قيم الفن التشكيلي الأعرق كعلم التكوين وإحداثيات الضوء وجمال الألوان وإيحاءات الحركة، كما أنها وثيقة لأحداث وأماكن ومواقف وأشياء مذهلة جميلة وأحيانا قبيحة، ويكمن سر قوتها في مصداقيتها. ورغم التصادم بين الفوتوغرافيا والفنانين التشكيليين في بداية ظهور الفوتوغرافيا، وخاصة أولئك الذين يهاجمون الواقعية في الفن، فإن الاتجاه الواقعي المغضوب عليه احتضن الفوتوغرافيا وكان من أبرز فنانيه "جوستاف كوربيه (1819-1877) حيث اعتبر أن الفوتوغرافيا تثرى أسلوبه الواقعي وأنها امتداد له، واستعان بها في موضوعاته المرسومة، فلوحته "مرسم الفنان" منقولة عن صورة فوتوغرافية، وكثير من لوحاته لها أصول فوتوغرافية تتعامل مع الواقع كما هو دون تجميل، ما دفع النقاد وقتها لاعتبار الواقعية والفوتوغرافيا "متعهدا القبح" - على حد تعبير "شيمي" - والتصقت وصمة الفجاجة بالفوتوغرافيا بشكل كبير، واعتبروا أن الصور التي تصنعها الكاميرا بوسيلة ميكانيكية كيميائية ليست فنا.
(3)
نسأل عن مدى تأثير الفن التشكيلي على السينما وكذلك الموسيقى، إلا أننا لم نقترب لمعرفة تأثير السينما جماليا على الفن التشكيلي أو الموسيقى، لها تأثير اقتصادي على ما يبدو. لكن يظل السؤال: أين تأثيرها الجمالي؟ وربما هذا يأتي في عدد آخر قادم ولو بعد حين.
على بعد صفحات من هنا كتب الدكتور ياسر منجي دراسة شديدة الأهمية، قال فيها:"يمثل الحديث عن علاقة السينما بالفنون البصرية سياقا حافلا بالاشتباكات، وفضاءً بحثيا مفتوحا على إمكانيات شتى للمقاربة والقراءة والتأسيس، ويعود هذا الزخم في أساسه، بدرجة كبيرة، إلى طبيعة الوسيط السينمائي ذاته، بوصفه وسيطا بصريا في المقام الأول؛ وهو ما يعني بداهة كونه وسيطا قابلا للإفصاح عن كل القيم البصرية – ومِن ثم لتمثيل مختلف الاعتبارات الجمالية والتعبيرية والرمزية – المرتبطة بفنون الرسم والتصوير والجرافيك، واشتقاقاتها المعاصرة من الوسائط المُرَقمَنة والتفاعلية. من هنا كانت سهولة الخوض في موضوعات من نوعية الحديث عن (التكوين في الصورة السينمائية)، أو (القيم التعبيرية للإضاءة في المشهد السينمائي)، أو (رمزية اللون في الفيلم)، إلى غير ذلك من موضوعات وأفكار، تؤسس مشروعيتها على الصفة البصرية للوسيط السينمائي ذاته".
ولتأكيد العلاقة الوجودية بين السينما والفن التشكيلي تكتب رحمة الحداد موضوعا بعنوان:"كيف استقت السينما جمالياتها الخاصة من خلال الفن التشكيلي؟"، تؤكد فيه أن السينما هي فن النحت في الزمن كما وصفها أندريه تاركوفسكي، وكون عنصر الزمن أساسيا وحصريا لها يجعل لها خصوصية لم يسبق لفن أن تحلَّى بها من قبل، لكن بجانب خصوصيتها فهي أيضا فن جامع، جامع للفنون القديمة والحديثة، للبصريات والسمعيات، للكلمة المكتوبة والصورة والنوتة الموسيقية؛ ولأنها أمضت وقتا لا صوت لها فالصورة هي عنصرها الأساسي والأثير، فلم يكن يمكنها تجاهل كل ذلك الإرث البصري الذي خلده الإنسان من رسوم الكهوف وحتى الفن البصري المعاصر الحالي.
لا تتوقف التأثيرات الفنية –حسب مقال رحمة- على السينما عند حد التناصح أو الإحالات والإهداءات، فإذا نظرنا إلى السنوات المبكرة للسينما، عندما أرادت أن ترسي لنفسها مدارس كفن لا يزال يافعا اختارت أن تجاري مدارس الفن الحديث، وأصبح ذلك التأثر لا يقع تحت طائلة الاقتباس المباشر للجماليات الشكلية بل هو تبن لرؤية فلسفية كاملة، وصبها في جماليات خاصة بالوسيط الذي يملك إمكانيات حديثة. لكن نظرا لطبيعة الفن التشكيلي البصرية الخالصة يسهل الظن أن التأثر السينمائي بها يأتي بشكل مباشر مثل الاقتباس اللوني أو التكويني، لكن الموضوع أعقد من تشابهات بين لوحة شهيرة ومشهد من فيلم، فعندما انتقلت السينما من حالة تسجيل الواقع إلى إثبات قيمتها كفن حقيقي، تبنت مدارس مثل التعبيرية الألمانية والواقعية والتأثيرية، لكن وقوع أفلام معينة في خانة إحدى تلك المدارس لا يعني أنك ستعرفها بمجرد النظر، مثلما يحدث في اللوحات الثابتة. لكن في حالات أخرى تقتبس الأفلام جماليات شكلية، ليست مجردة، لكنها أدوات تشكيلية أصبحت جزءا من اللغة السينمائية بشكل غير واع، وفي بعض الأفلام نجد امتزاج الاثنين، تأثرات موضوعية بفلسفة مدرسة ما بجانب تأثر شكلي بجماليات مدرسة أو فنان ما، ويملك كل منها معنى وتأثيرا ثاقبا يصل للمشاهد ويبني هوية فيلمية مستقلة.
(4)
مرة أخرى حسب كتاب "كيف تقرأ فيلما" أن السينما ليست لها قواعد لغوية ثابتة، وليس لها مفردات موجودة في القواميس، بل لها قواعد محددة تماما للاستخدام، لذلك فإنه من الواضح أنها ليست "نظاما" لغويا مثل اللغة المكتوبة أو المنطوقة لكنها مع ذلك تؤدي العديد من الوظائف ذاتها في التواصل كما تفعل اللغة... لديها نظام للعلامات أو الإرشادات".
ورغم ذلك تبقى جدلية قبول العقل العربي للسينما وفهمها، واستيعاب لغتها مطروحة للنقاش في أعداد قادمة نخطط لها مسبقا تدخل في عمق اللغة البصرية للسينما، وطبيعة الصورة المتحركة، رأينا أن نضعها في أعداد خاصة لاحقة نكشف بها مناطق مغمورة عن تاريخ الصورة ضمن سياق تاريخ السينما الذي يسقط منه "الفوتوغرافيا" بإهمال مخجل، وهي المنطقة الرمادية حسب وصف المنظر والمخرج الفرنسي "جان متري"، كونها التاريخ الحقيقي لتاريخ السينما الذي يبدأ باختراع كاميرا الفوتوغرافيا بصورتها الثابتة 1839، والتي أضيفت الحركة إليها في العام 1895 باختراع السينماتوغراف، وهكذا نأمل في هذا العدد الوصول إلى جمهور متذوقي السينما، وليس فقط المتخصصين، خاصة أن المجلة تصدر عن نادي سينما الجزويت العريق.

التعليقات :

أحدث المقالات